الغزالي

59

إحياء علوم الدين

شرا رددت . يا ابن حنظلة ، لا تسأل أحدا غير الله سؤال رغبة ، وانظر كيف تكون إذا غضبت ، فإني أملكك إذا غضبت ومن أبوابه العظيمة العجلة وترك التثبت في الأمور . وقال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « العجلة من الشّيطان والتّأنّي من الله تعالى » وقال عز وجل * ( خُلِقَ الإِنْسانُ من عَجَلٍ ) * « 1 » وقال تعالى * ( وكانَ الإِنْسانُ عَجُولًا ) * « 2 » وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم * ( ولا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ من قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُه ُ ) * « 3 » وهذا لأن الأعمال ينبغي أن تكون بعد التبصرة والمعرفة والتبصرة تحتاج إلى تأمل وتمهل ، والعجلة تمنع من ذلك وعند الاستعجال يروج الشيطان شره على الإنسان من حيث لا يدرى فقد روى أنه لما ولد عيسى بن مريم عليه السلام ، أتت الشياطين إبليس ، فقالوا أصبحت الأصنام قد نكست رؤسها ، فقال هذا حادث قد حدث ، مكانكم ، فطار حتى أتى خافقى الأرض ، فلم يجد شيئا ، ثم وجد عيسى عليه السلام قد ولد ، وإذا الملائكة حافين به ، فرجع إليهم فقال إن نبيا قد ولد البارحة ، ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا وأنا حاضرها إلا هذا فأيسوا من أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة ، ولكن ائتوا بني آدم من قبل العجلة والخفة ومن أبوابه العظيمة الدراهم والدنانير ، وسائر أصناف الأموال من العروض والدواب والعقار ، فإن كل ما يزيد على قدر القوت والحاجة فهو مستقر الشيطان . فإن من معه قوته فهو فارغ القلب . فلو وجد مائة دينار مثلا على طريق ، انبعث من قلبه عشر شهوات ، تحتاج كل شهوة منها إلى مائة دينار أخرى ، فلا يكفيه ما وجد ، بل يحتاج إلى تسعمائة أخرى . وقد كان قبل وجود المائة مستغنيا . فالآن لما وجد مائة ، ظن أنه صار بها غنيا ، وقد صار محتاجا إلى تسعمائة ، ليشتري دارا يعمرها ، وليشتري جارية ، وليشتري أثاث البيت ، ويشترى الثياب الفاخرة ، وكل شيء من ذلك يستدعى شيئا آخر يليق به ، وذلك لا آخر له ، فيقع في هاوية آخرها عمق جهنم ، فلا آخر لها سواه

--> « 1 » الأنبياء : 37 « 2 » الاسراء : 11 « 3 » طه : 411